عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

87

اللباب في علوم الكتاب

وقال مجاهد : معنى « سيطوّقون » سيكلّفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة ، أي : يؤمرون بأداء ما منعوا ، فلا يمكنهم الإتيان به ، فيكون توبيخا . وقيل : سيلزمون إثمه في الآخرة ، وهذا على طريق التمثيل ، يقال : فلان كالطّوق في رقبة فلان ، كما يقال : قلدتك هذا الأمر ، وجعلت هذا الأمر في عنقك ، قال تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [ الإسراء : 13 ] . وإن حملنا البخل على البخل بالعلم كان معناه : أنّ اللّه تعالى يجعل في أعناقهم طوقا من نار ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سئل عن علم يعلمه ، فكتمه ، ألجم يوم القيامة بلجام من نار » . قوله : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه وجهان : أحدهما : أن له ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره ، فما لهم يبخلون عليه بملكه ، كقوله : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] . ثانيهما - وهو قول الأكثرين - : أنه يفني أهل السماوات والأرض ، ويبقي الأملاك ، ولا مالك لها إلا اللّه ، فجرى هذا مجرى الوراثة . قال ابن الأنباريّ : يقال : ورث فلان علم فلان ، إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه ، وقال تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النمل : 16 ] لأنه انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركا له فيه . قال القرطبيّ : أخبر - تعالى - ببقائه ودوام ملكه ، وأنه في الأبد كهو في الأزل ، غنيّ عن العالمين ، فيرث الأرض بعد فناء خلقه ، وزوال أملاكهم ، فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها ، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق ، وليس بميراث في الحقيقة ؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل ، واللّه - سبحانه وتعالى - مالك السماوات والأرض وما بينهما ، وكانت السّموات وما فيها له ، وأن الأموال كانت عارية عند أربابها ، فإذا ماتوا ردّت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل ثم قال : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 181 إلى 182 ] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه - تعالى - لما أمر المكلّفين ببذل النفس والمال في سبيل اللّه - فيما تقدم - وبالغ في تقرير ذلك ، قالت الكفار : إنه - تعالى - لما طلب الإنفاق في تحصيل مطلوبه كان فقيرا عاجزا ، والفقر على اللّه محال ، فطلبه للمال من عبيده محال ، وذلك يدل على كذب محمّد في إسناد هذا الطلب إلى اللّه .